واصف جوهرية

173

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

مات والدي عن ستة وسبعين سنة . وكانت الجنازة تعتبر من أروع الجنازات بالقدس لما كان عليه الفقيد من طيبة قلب ومعشر وحسن أخلاق ثم مكانته لدى الأسرة الحسينية الكريمة وخصوصا والدي الثاني حسين أفندي الحسيني الذي كان رئيسا لبلدية القدس أثناء موته وأخيرا محبة غبطة البطريرك ذميانوس وشغله في الدير زمنا طويلا . أما الجناز فكان على القبر في صهيون نظرا لإغلاق الكنايس على أثر النهضة من طائفة الروم الأرثوذكس العرب ضد الإكليروس سنة 1908 . بقي العزاء في دارنا ثلاث أيام وثلاث ليالي باستمرار ولم يتركنا العم حسين أفندي الحسيني ومعه الأستاذ السكاكيني ليلة . وكانت جميع المقربين تتناول الغذاء والعشاء عندنا رحمة عن روع الفقيد وهكذا وكأنه وحيا من السماء نزل على والدي عندما اهتم واشترى المؤونة التي نوهت عنها سابقا ، إشتراها بيده لكي يطعم ما واسى خلفه بعد وفاته رحمه اللّه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه وألهمنا الصبر والسلوان وإنا للّه وإن إليه راجعون . حوادث الوالد الطريفة في القضاء كان فرنسيس الطرشة وهو خال الأستاذ إميل الصيداوي يشتغل شبه متعهد في سفر وصلات السياح وعنده جميع اللوازم المعدة للسفر على الطريقة القديمة مثل الخيام والكنتينات وأوائل المائدة السفرية التي تحمل على البغال وذلك قبل وجود العربات بالقدس . اختلف فرنسيس المومى إليه مع أحد من أصحاب الأرض بموقع كرم رصاص خارج السور ومنع عن إقامة الخيام في الأرض . وفي حالة عصبية كان ماسكا بيده وتد الخيمة فقال إلى صاحب الأرض " لا تستطيع أن تمنعني واللّه بدق هذا الوتد في عين السلطان " ولما كان هذا الحادث زمن الظلم والاستبداد في العهد العثماني تمسك صاحب الأرض وشهد على أقوال العم فرنسيس ورفع دعوى جزائية أمام حاكم محكمة الجزاء بالقدس المرحوم واصف بك العظم الذي كان صديقا وفيا لوالدي . أجمع أهل المدعي عليه على توكيل الوالد وأتفق معهم على ثلاثين ليرة فرنساوي ذهبا شريطة أن يتمسك المدعى عليه بأقواله الحقيقية ولا داع للأفكار وتعهد والدي ببراءته ، وهكذا كان . وعند المحاكمة راجع المدعي صاحب الأرض ما قال له فرنسيس المدعى عليه ولما ذكر اسم السلطان قام الرئيس والأعضاء ثم جميع الحضور وقوفا إجلالا وإكبارا لعظمة السلطان يقولون غاضبين " أستغفر اللّه أستغفر اللّه أستغفر اللّه " ويبحلقون عيونهم في العم فرنسيس . ولما جاء دور الدفاع قام والدي وقال " إن موكلي لم يزل يقر ويعترف بما قاله وهو لم ينكر بتاتا إنما أود أن أعرض لمحكمتكم الموقرة بأن موكلي لم يقصد ولم يفكر بما تفكرون فحاشا وكلا أن يقدم موكلي على المعنى الذي اتخذه المدعي في هذا الموضوع . بل عندما منعه المدعي من ضرب الخيام في أرضه قال له سأدق الوتد في عين السلطان وهو موقع معروف وينبوع مشهور في أريحا ، والجميع يعرف بأن هذا الموقع يقيم فيه السياح وينامون في الخيام هناك مدة طويلة . تبسم رئيس المحكمة وضحك الأعضاء والحضور وخرج العم فرنسيس رافع الرأس